الحدود التركية العراقية.. تاريخ ترسيمها والتحديات التي تشهدها

3

ترك برس

سلّط تقرير نشره موقع “الجزيرة نت”، الضوء على الحدود المشتركة بين العراق وتركيا والتي تمتد لأكثر من 350 كيلومترا في مناطق جبلية شديدة الوعورة، بالتزامن مع تحديات تشهدها.

ويعود تاريخ ترسيم الحدود المشتركة بين تركيا والعراق إلى عشرينيات القرن الماضي، بقرار محكمة العدل الدولية في لاهاي باستخدام خط بروكسل، كخط حدودي بين الدولتين.

وبعد سنوات من المفاوضات الشاقة، وقعت اتفاقية الترسيم بين بريطانيا وتركيا في الخامس من يونيو/حزيران 1926 ضمن معاهدة أنقرة، والتي بموجبها تم اعتماد خط للحدود بين تركيا والعراق الذي هو بالأساس الحدود الشمالية لولاية الموصل في عهد الدولة العثمانية.

ظروف الترسيم

وجاءت اتفاقية أنقرة أساسا لتسوية واحدة من أهم المشاكل التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى بين تركيا وبريطانيا والتي باتت تعرف بمشكلة الموصل، وفق الأكاديمي والباحث في التاريخ الحديث الدكتور فارس تركي.

ونقل تقرير لـ “الجزيرة نت” عن “تركي” أنه عندما تم التوقيع على اتفاقية موندروس في 30 أكتوبر/تشرين الأول عام 1918 والتي أنهت الحرب بين بريطانيا والدولة العثمانية لم تكن القوات البريطانية قد سيطرت على ولاية الموصل، لذلك كانت تركيا ترى أن الموصل جزء من أراضيها وبأنها غير مشمولة باتفاقية موندروس، إلا أن بريطانيا بالمقابل رأت هذه المنطقة جزءا من الأراضي الخاضعة لسيطرتها.

ويتابع “تركي”، أن بريطانيا وتركيا اجتمعتا عام 1924 في مؤتمر القرن الذهبي في إسطنبول لبحث المشكلة، إلا أن المحادثات بين الجانبين باءت بالإخفاق، ولم تسفر عن أي اتفاق، وتحولت المشكلة بعد ذلك إلى قضية دولية تم تبنيها من قبل عصبة الأمم التي قامت في سبتمبر/أيلول 1924 بتشكيل لجنة تحقيق مهمتها دراسة كافة تفاصيل وحيثيات المشكلة مستعينة بكافة الوثائق التاريخية والجغرافية، فقامت هذه اللجنة بزيارة بريطانيا وتركيا والتقت المسؤولين في البلدين، كما زارت العراق ووصلت إلى العديد من المدن والقصبات للاطلاع على التركيبة السكانية للمنطقة ومعرفة آراء الناس وتوجهاتهم.

ويشير “تركي” إلى أن اللجنة الأممية أوصت بأن تعود ملكية الموصل للعراق، وأن يكون خط بروكسل الذي يمثل الحدود الشمالية لولاية الموصل القديمة هو الخط الفاصل ما بين العراق وتركيا، وتم تبني هذا الرأي من قبل عصبة الأمم والمحكمة الدولية.

بنود الاتفاق

وبناء على قرار المحكمة الدولية جرت محادثات بين بريطانيا وتركيا في أنقرة حيث تم التوصل إلى “اتفاق أنقرة” والذي ينص على أن تتبع ولاية الموصل العراق، ويكون خط بروكسل هو الحد الفاصل، وأن يعطي العراق 10% من عائدات نفط الموصل لتركيا لمدة 25 عاما، وفق أستاذ التاريخ الحديث الدكتور علي حسين العلواني.

ويبيّن العلواني بأن ملف الحدود بين العراق وتركيا كان في مقدمة القضايا التي تهم البلدين، خصوصا إذا علمنا أن التنقلات بين كلا الطرفين كانت تتم بطرق بعيدة عن تدخلات الدولة، بل تتحكم بها القبائل والعشائر القاطنة على طرفي الحدود، وأخذت القضية تشكل خطرا كبيرا لكلا البلدين.

ويعزو العلواني الموقف البريطاني المتعنت في رفض إعطاء الموصل لتركيا، إلى رغبة بريطانيا في عدم إثارة جبهة العراق الداخلية ضدها، إضافة إلى التعهدات والالتزامات التي قدمتها بريطانيا للحكومة العراقية بالحفاظ على حدوده وأراضيه.

نفط الموصل

ويضيف العلواني، أنه استمر العراق بتسليم تركيا حصة نفط الموصل حتى عام 1954 حيث توقف الدفع تماما بعد ثورة 1958 ومجيء عبد الكريم قاسم للحكم، مشيرا إلى أنه حتى عام 1986 كانت الميزانية التركية تأتي على حساب مجيء هذه النسبة.

ويسترسل بالقول، إنه في عام 1986 وضمن تسوية قام بها رئيس الوزراء التركي حينها تورغوت أوزال مع الدولة العراقية، تمت إزالة عائدات الموصل من الميزانية التركية، مقابل مضاعفة سعة الأنبوب العراقي التركي في العام نفسه والاتفاق على أسعار جديدة تتقاضاها تركيا بين 45-75 سنتا للبرميل الواحد وفق مقادير التصدير، كما تم تعديل خط بروكسل الحدودي الفاصل بين العراق وتركيا بمقدار بسيط لصالح تركيا.

من جانبه يقول أستاذ التاريخ الحديث المساعد الدكتور محمد علي عفين إن الأطراف اتفقت على أن تكون مدة الاتفاقية 100 عام، وبعدها يعاد النظر في تطبيع الأوضاع وفق برنامج دولي.

ويوضح بأن الاتفاقية أعطت الحق لتركيا بالتنقيب عن النفط في الموصل مدة 25 عاما، لكن الترسيم لم يكن منصفا لتركيا من وجهة نظرها لأسباب تاريخية وجغرافية واقتصادية ودينية.

ويلفت عفين إلى أن الاتفاقية كانت منصفة للعراقيين العرب من وجهة نظرهم لأنها ضمت عرب الموصل إلى العراق، بالتزامن مع تصاعد المد العروبي والاستياء العربي من الأتراك آنذاك، وهذا أعطى بريطانيا الحجة بأن هذا الترسيم له بعد عنصري وجغرافي فجعلت سلسلة الجبال شمال العراق حدا فاصل بينهم.

ويذكر أستاذ التاريخ أنه بعد مرور سنوات على توقيع الاتفاقية، انضمت الموصل رسميا إلى العراق في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 1932، حيث تخلت تركيا عنها لأسباب سياسية بهدف الحفاظ على علاقاتها مع الغرب.

المشكلة الكردية

وحول دور هذه الاتفاقية في تعميق المشكلة الكردية يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الموصل الدكتور محمود عزو أن المشكلة الكردية لم تكن ترتبط بهذه الاتفاقية فحسب، بل كانت قبلها عدة اتفاقيات منها اتفاقية لوزان وقبلها اتفاقية سيفر، والتي قسمت المجموعات الكردية بين عدة دول، وكان ذلك خاضعا لعدة اعتبارات، منها عدم جعل كل من إيران وتركيا تشعران بالخسارة التامة نتيجة الحرب العالمية الأولى.

ويضيف بأن السبب الآخر لعدم حل المشكلة الكردية في هذه الاتفاقية، يعود لغياب ممثلين واضحين للكرد في أثناء المفاوضات، على عكس الأطراف العربية التي كانت تحاول أن تتفاوض مع الدول الكبرى.

ويتابع حديثه بالقول “هذه من السياسات التي كانت تتبعها بريطانيا والقوى الكبرى، بترك عدد من المسائل لتكون أشبه بمشكلات مستدامة، تحاول أن تستثمر فيها في المستقبل في حال انسحابها، وكان استثمار القوى الكبرى للملف الكردي واضحا بجعله ملفا خاضعا للتفاوض والابتزاز مع القوى المحلية، لذلك لم يكن من مصلحة القوى الكبرى حل هذه المسألة بشكل أساس ومهم يضمن حقوق الكرد”.

ويبيّن عزو بأن توزيع الكرد على تركيا وإيران والعراق وسوريا، بالإضافة إلى أرمينيا وأذربيجان، هدفه الضغط على الحكومات الوطنية التي نشأت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وكذلك إبقاء الورقة الكردية تحت يدهم في الوقت ذاته وبقاء الطرفين تحت يد القوى الكبرى.

مستقبل المعاهدة

ورغم مرور عقود على توقيع الاتفاقية، ما تزال بعض الجهات التركية الشعبية والحزبية ترى هذه الاتفاقيات غير منصفة للأتراك، وحجتهم بذلك أن تركيا وافقت على التوقيع رغم تحقيقها الانتصارات الكبيرة، وفق الباحث في العلاقات العربية التركية محمد قدو الأفندي.

وعن التحركات التركية الحالية شمال العراق يبيّن الأفندي بأن الجانب التركي يرى أن الاتفاقية الموقعة بين العراق وتركيا في عهد الرئيس العراقي السابق صدام حسين والتي تعطي الحق للجيش التركي في ملاحقة تنظيم “بي كي كي” الإرهابي داخل الأراضي العراقية ما زالت سارية، على اعتبار أن الحكومات العراقية المتلاحقة، لم تلغِ تلك الاتفاقية بل تم تجديدها وإضافة تفاصيل أخرى لها.

وينوه إلى أن الأوضاع الدولية الراهنة في ظل الحرب الروسية على أوكرانيا وبناء قاعدة عسكرية في ميناء سوري، وقيام تحالف إيراني روسي مؤازر من الصين وكوريا الشمالية والذي يضمن توافقا سياسيا وعسكريا يجعل سلاح الطاقة والأمن الغذائي المخيف إحدى ركائز هذا التحالف المهدد للغرب والناتو مباشرة بصورة خاصة ولبقية البقاع بصورة عامة؛ هذه الأسباب تحتم على الغرب ترتيب اتفاقاته وتوسيع نفوذه ونفوذ حلفائه في هذه المنطقة الساخنة.

ويتابع الأفندي “من هنا يجب أن نفكر جديا بأن الأتراك مرشحين للعب دور مهم ضمن الاتجاه العام لحلف الناتو وللغرب عموما بعد أحداث أوكرانيا ومشكلة تأمين الطاقة عبر خطوط وأنابيب وسفن تنقلها إلى المستهلك الغربي، وأن الأراضي التركية ليست هي فقط من توكل لها حماية هذه الإمدادات بل ربما يتعدى إلى أبعد من ذلك؛ خوفا من هجمات إرهابية محتملة خارج الأراضي التركية تضر بتركيا وبإمدادات الطاقة لأوروبا”.

ويرجح الباحث بأن توسيع نطاق حماية الأتراك لخطوط الطاقة ومصالح دول الناتو خارج حدودهم الدولية يعني الخروج عن اتفاقية لوزان التي فرضتها أوروبا على تركيا منذ 100 عام.

Leave A Reply

Your email address will not be published.